ترجمة

رسوم بريدية غير مبررة

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
 بتاريخ 14-9-2005م صرح معالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات رئيس مجلس إدارة (مؤسسة البريد السعودي) نافياً أي نية لرفع تعرفة الاشتراك في خدمة صناديق البريد مؤكداً معاليه أنه لن يكون هناك مساس بتلك الأسعار حيث تم تحديدها بـ 300 ريال لمدة ثلاث سنوات، وبمراجعتنا لأحد فروع البريد في مدينة الرياض لتجديد اشتراك صندوق البريد الخاص بأسرتي تم إفادتنا من قبل مدير ذلك الفرع بأن الرسم المحدد للتجديد هو 300 ريال للفرد الواحد فقط، أما إن كان لكافة أفراد الأسرة فإن التكلفة ستصبح 900 ريال، والتساؤل هنا يكمن في كيفية إقدام مؤسسة البريد على زيادة رسوم صندوق البريد ثلاثة أضعاف في الوقت الذي يؤكد فيه معالي رئيس مجلس إدارة المؤسسة أنه لن يكون هناك مساس بتعرفة أسعار صناديق البريد. وهل حصلت مؤسسة البريد على إذن من المقام السامي بتلك الزيادة أم أن مجلس إدارة المؤسسة قد أقرها من تلقاء نفسه، علماً بأن المجلس لا يملك الصلاحية النظامية بزيادة الرسوم. ثم كيف تقدم مؤسسة البريد على فرض تلك الزيادة الحادة غير المبررة على المواطن في الوقت الذي يتلمس المواطنون فيه تخفيضاً لبعض الرسوم المفروضة عليهم في ظل ما تنعم به مملكتنا - حفظها الله - من طفرة اقتصادية. ثم إذا كان توجه الكثير من الناس حالياً هو استخدام الهاتف والإنترنت سواء لسداد الفواتير أو غيرها من التعاملات البنكية والتجارية وكذلك الاجتماعية، فهذا يعني وجوب المنافسة من قبل مؤسسة البريد بخفض الرسوم وليس بزيادتها. ثم ما الخدمة المميزة التي تقدمها مؤسسة البريد حتى تتجرأ بمضاعفة رسوم صناديق البريد ثلاثة أضعاف، ألا يعلم منسوبو مؤسسة البريد أن البريد المحلي في المدينة نفسها يستغرق أسبوعاً كاملاً، ومن أراد أن يتأكد من ذلك فليطلب كشف حساب من البنك وسيتضح له أن المدة التي يستغرقها وصول ذلك الكشف من تاريخ ختم البنك وحتى وصوله هي أسبوع كامل، فعلى أي أساس اذاً أقدم منسوبو المؤسسة على مضاعفة رسوم الصناديق البريدية. ألا يعلم أهل البريد أن المدة الزمنية التي يستغرقها إرسال البريد في بلد كالولايات المتحدة الأمريكية من أقصى شرقها إلى أقصى غربها لا تستغرق أكثر من أربعة وعشرين ساعة؟!، وألا يعلم أهل البريد أن البريد المرسل داخل بريطانيا يصل في الغالب في اليوم نفسه حيث يتم توزيع البريد على المنازل يومياً مرتين؟!، ومع ذلك لا تفرض رسوم على صناديق البريد في تلك الدول، فلماذا إذا أقدم أهل البريد لدينا على مضاعفة رسوم الصناديق البريدية لثلاث مرات؟!!!. أنا على يقين من أن أهل البريد يعلمون أن خدمة إدخال الصناديق البريدية للمنازل هي خدمة معمول بها في معظم دول العالم مجاناً حيث لا تفرض معظم الدول رسوماً على الصناديق البريدية، وإنما تكتفي بفرض الرسوم على الطوابع البريدية.
في مؤتمر صحفي لمعالي وزير الاتصالات رئيس مجلس إدارة مؤسسة البريد السعودي ذكر معاليه أن وزارته تسعى إلى تخصيص جميع خدمات البريد نظراً لأهمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في تقديم الخدمات البريدية، كما ذكر معالي رئيس مؤسسة البريد أن مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات البريدية ستؤدي إلى توفير ما قيمته أربعون مليون ريال من تكلفة التشغيل على المؤسسة، إلا أن أصحاب المعالي فات عليهم أن يذكروا أن أحد أهم ركائز تخصيص الخدمات الحكومية هو تقديم تلك الخدمات بأعلى جودة وأقل تكلفة. كيف يذكر معالي رئيس المؤسسة أن خصخصة الخدمات البريدية ستوفر أربعين مليونا للمؤسسة وتناسى معاليه أنها ستكلف المواطن ثلاثة أضعاف الرسوم المفروضة عليه، وإذا كان معاليه قد صرح بأن منهجية مؤسسة البريد السعودي تتمحور حول تعظيم الشراكة مع القطاع الخاص وإدماجه في المشاريع الاستراتيجية للمؤسسة، فإن على معاليه أن يدرك أن تلك المنهجية يجب أن تنطلق من خلال تقديم أفضل الخدمات البريدية للمواطن بأقل التكاليف.
20 / 2 / 2006م                عدد 12198

المجازر المرورية والقسوة مطلوبة يا أعضاء الشورى

د.محمد بن عبد العزيز الصالح
يخضع نظام المرور الجديد حالياً لمناقشات أعضاء مجلس الشورى سواءً على مستوى اللجنة الأمنية أو من خلال الجلسة العامة للمجلس، ويعلم الجميع أن الأنظمة واللوائح لا يتم احترامها إلا إذا كانت تتضمن العقوبات الرادعة والكفيلة بدفع من ستطبق عليهم تلك الأنظمة إلى احترامها، ولابد من الاعتراف بأن السبب الرئيسي لانتشار الحوادث المرورية لدينا والناتجة عن فوضى مرورية عارمة نتج عنها قتل الآلاف من الأبرياء إنما هو بسبب ضبابية وعدم فاعلية العقوبات التي يتضمنها النظام الحالي للمرور من جهة ناهيك عن عدم تطبيق تلك العقوبات على الجميع من جهة أخرى.
وما من شك أن الجميع ينتظر ما سيتضمنه النظام المروري الجديد الذي يتم مناقشته حالياً في مجلس الشورى من عقوبات رادعة وكفيلة بالحد من الاستنزاف اليومي لأرواح الأبرياء بسبب ما نشهده من حوادث مرورية.
إلا أن ما يجعلنا لا نتفاءل كثيراً بالدور الذي سيلعبه النظام الجديد للمرور في الحد من الحوادث المرورية هو تلك المرونة غير المبررة التي ينهجها بعض أعضاء لجنة الشؤون الأمنية في المجلس، حيث لا نجد ذلك التوجه الرادع في مشروع النظام الجديد، فكيف يتوقع أعضاء اللجنة الأمنية أن يكون النظام رادعاً إذا لم يتم تحديد العقوبات التي سيتم فرضها على مخالفي أحكام نظام المرور، نعم يجب أن يحدد في مواد النظام العقوبات المالية وعقوبة السجن ومصادرة السيارة، وذلك لكل مخالفة من المخالفات المرورية مهما كثرت أو تعددت، وفي حال حدوث مخالفة مرورية معينة لم يحدد لها عقوبة فهنا يمكن للمحكمة المرورية المختصة أن تستنبط العقوبة المناسبة، انطلاقاً مما ورد في النظام من عقوبات، ولذا فإننا لا نتفق مطلقاً مع توجه اللجنة الأمنية والراعي إلى ترك تحديد العقوبات ابتداءً للقضاء؛ بحجة إعطاء القاضي حرية تقدير الظروف المختلفة وتحديد العقوبات المناسبة، أما ما يدعيه رئيس اللجنة في قوله إن اللجنة قد تركت عقوبة السجن لتقدير القاضي بحجة أن ولي الأمر قد فوض تلك العقوبة للقضاء لتحديد ما يراه بشأنها، فهذا أمر غير مقبول على الإطلاق وعليه أن يدرك أن ولي الأمر عندما وجه بإحالة مشروع نظام المرور إلى مجلس الشورى لدراسته، فإن ولي الأمر لن يتوقع أن يغفل المجلس إدراج عقوبة رادعة كالسجن من نظام المرور بحجة أن ولي الأمر سبق أن فوض تطبيق مثل تلك العقوبة للقاضي، بل إن ولي الأمر يتوقع من مجلس الشورى أن يتضمن مشروع النظام الجديد كل العقوبات الكفيلة بوقف نزيف الحوادث المرورية التي أهلكت البشر لدينا. كما أنه ليس مقبولا من اللجنة الأمنية أن يأتي نظام المرور الجديد خالياً من عقوبة مصادرة السيارة؛ بحجة أن النظام الأساسي للحكم قد تضمن عدم جواز المصادرة إلا بحكم شرعي.
خلاصة القول إننا في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن أعضاء اللجنة الأمنية هم أكثر من يدرك الفوضى المرورية التي نعيشها وهم أكثر من يعلم بتلك الآلاف من الضحايا التي نشهدها سنوياً جراء ما نشهده من حوادث مرورية، ولذا فبدلاً من أن تطالب اللجنة بوضع كل العقوبات المتشددة في مشروع نظام المرور الجديد من غرامة وسجن ومصادرة، نجد أن اللجنة لم تتجاهل ذلك فحسب وإنما تصدت أيضاً لمطالبة بعض أعضاء مجلس الشورى المطالبين بذلك مثل ما طالب به فضيلة الشيخ عبد المحسن العبيكان.
الإخوة أعضاء المجلس، الجميع يتوقع منكم توجها واضحا ومتشددا فيما سيتضمنه مشروع نظام المرور الجديد من عقوبات، وعليكم أن تدركوا أن الفشل الذريع لكل الإدارات المرورية السابقة في الحد من الفوضى والحوادث المرورية إنما يعود إلى ضبابية وعدم وضوح العقوبات التي يتضمنها نظام المرور الحالي، ناهيك عن كونها عقوبات غير رادعة، وأرجو أن تضعوا في الاعتبار أن أعدادا من الحوادث المرورية لدينا سنوياً يفوق أعداد شهداء الانتفاضة الفلسطينية بعشرة أضعاف، حيث إن أعداد شهداء الانتفاضة السنوية تبلغ سبعمائة وخمسين شهيداً تقريباً في حين ان قتلى الحوادث المرورية لدينا يتجاوز الستمائة ضحية في الشهر الواحد.
وبالتالي فإن لم يتضمن مشروع النظام المروري الجديد الذي هو بين أيديكم حالياً عقوبات واضحة ومتشددة، فالرجاء ان نبقي على نظامنا الحالي، وتفتح أقسام الطوارئ في مستشفياتنا أبوابها لاستقبال المزيد من جرحى تلك الحروب المرورية الطاحنة الذين تتجاوز أعدادهم الثلاثين ألفا ما بين مصاب ومعوق، ولتفتح المقابر أبوابها لاستقبال المزيد من الضحايا الأبرياء، ولنفتح قبل ذلك قلوبنا للحزن واللوعة على فراق أحبابنا وأقاربنا.
14 / 2 / 2006م         عدد 12192

لقد طفح الكيل يا وزارة الحج

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
نشرت صحيفة الرياض في عددها الصادر يوم 15-12-1426هـ خبراً يشير إلى أن اللجنة الوطنية لشؤون الحج والعمرة قد ضبطت سبعين شركة ومؤسسة وهمية غير مرخصة، كما تم القبض على أربعين وافداً من جنسيات مختلفة من سماسرة الحج استهدفوا جمع أموال المواطنين والمقيمين والهروب بها في موسم حج هذا العام.
وأنا أقرأ هذا الخبر تبادر إلى ذهني جملة من التساؤلات منها:
إلى متى سيستمر البعض ممن هم في موقع المسؤولية بمحاباة أصحاب تلك المؤسسات والشركات الوهمية وبالتالي تغليب المجاملات والعلاقات الشخصية على المصلحة العامة للوطن والمواطنين؟ ثم لماذا نجد الكثير من المؤسسات والأفراد والشركات لا يترددون في مخالفة الكثير من الأنظمة واللوائح والقرارات؟ وإلى متى ستستمر العقوبات التي تطبقها مختلف الأجهزة الحكومية ومنها وزارة الحج على المخالفين غير رادعة؟ وإلى متى سنظل نقرأ كل عام عن تواجد أمثال تلك المؤسسات والشركات المتجاوزة والمتمردة التي لا يعاني منها سوى حجاج بيت الله؟ ثم إلى متى ستستمر وزارة الحج في موقفها السلبي تجاه تلك الممارسات؟
وإزاء استمرار مثل تلك الممارسات غير المقبولة وانتشار العديد من المؤسسات والشركات الوهمية التي يتضرر منها ضيوف بيت الله سنوياً، فإن عتبنا على وزارة الحج كبير فكيف تقبل الوزارة أن تتكرر معاناة حجاج بيت الله سنوياً من جشع ولا مبالاة من قبل أصحاب تلك الحملات الوهمية دون أن يكون هناك عقوبات كفيلة بردعهم عن تكرار مثل تلك المخالفات.
ثم إنني أتساءل عن الدافع الذي يجعل أصحاب تلك الحملات الوهمية للحج يحترمون أنظمة وقرارات وتعليمات وزارة الحج طالما أن تلك الأنظمة لا تتضمن العقوبات الكفيلة بردعهم، نعم فالعقوبات المقررة لا تتضمن عقوبة التشهير، كما أن العقوبات المالية ضئيلة حيث لا تتجاوز جزءاً بسيطاً مما يحققه أصحاب تلك الحملات الوهمية من أرباح طائلة بغير وجه حق، ناهيك عن عدم وجود العقوبات الرادعة الأخرى.
معالي وزير الحج، الجهود الملموسة التي تبذلها كافة أجهزة الدولة لراحة حجاج بيت الله ملحوظة أمام العيان مما انعكس إيجاباً على إجماع الرأي بنجاح الدولة في خدمة الحج والحجيج، وإن كان لنا عند معاليكم رجاء فهو أن تحظى مثل تلك المخالفات التي تسيء لضيوف بيت الله من جهة، كما أنها تمس الجهود التي تقدمها الدولة من جهة أخرى، أن تحظى باهتمام معاليكم وأن تصدروا توجيهاتكم بسن وتطبيق العقوبات القاسية والرادعة عاجلاً على أصحاب تلك المؤسسات والشركات المتجاوزة وفي هذا الخصوص، فإنني أوضح لمعاليكم أن سلسلة العقوبات التي تضمنها مقال الأخ عبد الرحمن آل الشيخ في مقاله المميز والمعنون ب(حملات الوهم من عقوبات الوهم) الذي نشر في صحيفة الرياض بتاريخ 20-12-1426ه إنما تمثل عقوبات مناسبة وكفيلة بالقضاء على مثل تلك الممارسات والمخالفات فنرجو من معاليكم توجيه من ترون بدراسة تلك العقوبات المقترحة والعمل على تطبيقها.

28 / 1 / 2006م       عدد 12175

المنافسة قادمة فماذا عن قطاعنا الخاص؟

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
بعد اثني عشر عاماً من الجولات الشاقة، وبعد زيارة تاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للولايات المتحدة تمخضت عن إعلان صريح للبيت الأبيض بدعم انضمام المملكة للمنظمة التجارية العالمية، وبعد سلسلة من المفاوضات الشاقة التي أبدع فيها رجال أكفاء يتقدمهم معالي وزير التجارة والصناعة الدكتور هاشم يماني وصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان مساعد وزير البترول والمعادن وبقية الخبراء المفاوضين الذين أبدعوا في الدفاع عن حقوق المملكة من خلال عدم تقديم التنازلات إلا في أضيق الحدود، بعد تلك الجهود المضنية انضمت المملكة لمنظمة التجارة العالمية، ويأتي هذا الانضمام تأكيداً للمكانة الاقتصادية المرموقة التي تحتلها المملكة على خارطة الاقتصاد العالمي حيث لا يمكن أن نتصور وجود دولة بحجم المملكة خارج تلك المنظومة التجارية العالمية.
لقد جاء حرص القيادة السعودية على الانضمام لمنظمة التجارة العالمية من أجل تحقيق العديد من المكتسبات الاقتصادية التي سيجنيها المواطن السعودي، حيث سيترتب على هذا الانضمام فتح أسواق المملكة للكثير من السلع والخدمات الأجنبية دون حواجز جمركية مما يعني زيادة معروض تلك السلع والخدمات في أسواق المملكة وبالتالي انخفاض تكلفة شرائها واقتنائها، وفي سبيل تحقيق ذلك الانضمام، ومن ثم تحقيق تلك المكتسبات الاقتصادية للمواطن السعودي، نجد أن الدولة قد عملت على تعديل الكثير من الأنظمة واللوائح إضافة إلى تحرير الكثير من السياسات الاقتصادية والتجارية، وبالتالي فإذا كانت الدولة قد قامت بالكثير من الجهود في سبيل إزاحة الكثير من العقبات السياسية والاقتصادية والتنظيمية التي كانت تعترض ملف انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية، فإن التساؤل هنا يدور حول مدى جاهزية القطاع الخاص السعودي لخوض غمار التحدي والمنافسة الجديدة التي ستبدأ مع انضمام المملكة إلى تلك المنظمة العالمية. إنني أتساءل عما إذا كان المعنيون من رجال القطاع الخاص قد تدارسوا كل التحديات والآثار الإيجابية والسلبية على المنظور القريب والبعيد التي ستلحق بتجارتهم من جراء الانضمام إلى منظمة التجارة؟ وهل أعدوا العدة لمواجهة تلك التحديات؟ وهل تم نشر الوعي لدى كل منسوبي القطاع الخاص لذلك وهل أدرك رجال الصناعة أن المزيد من الاندماجات والتكتلات بين أصحاب الصناعات الوحدة سيكون هو الملاذ الوحيد لكسب المنافسة القادمة، خاصة إذا ما علمنا بأن أكثر من 75% من المؤسسات التجارية والصناعية لدينا هي مؤسسات صغيرة ومحدودة ويصعب عليها المنافسة؟ وهل أدرك المعنيون في القطاع الخاص أهمية البدء في تطبيق آلية التجارة الإلكترونية التي يمكن من خلالها تسويق البضائع وخدمة العملاء في منازلهم في مختلف دول العالم بأقل تكلفة؟
وهل أدرك أصحاب المؤسسات الزراعية أن انضمام المملكة سيترتب عليه خفض الدعم المحلي الذي تقدمه الدولة لهم بواقع 13.3% سنوياً، مما يعني توقف ذلك الدعم الحكومي المقدم لهم تماماً خلال فترة لا تزيد على عشرة أعوام؟ كما أن انضمام المملكة سيؤدي إلى زيادة الواردات الزراعية الأجنبية بواقع 14% سنوياً، فهل أعدت مؤسساتنا وشركاتنا الزراعية العدة لمواجهة تلك التحديات؟ وهل أدرك تجار الخدمات أن اتفاقية تجارة الخدمات سوف تسمح لموردي الخدمات الأجانب بدخول السوق المحلية ومنافستهم دون حواجز، وبالتالي لن يكون هناك مجال للتمييز بين تجار الخدمات السعوديين والأجانب؟
خلاصة القول، أن على رجال القطاع في مختلف القطاعات التجارية والصناعية والزراعية والخدمية أن يدركوا أن المكاسب التي يمكن أن يحققوها من جراء هذا الانضمام هو أمر مرهون بما يقومون به من جهود لتحقيق ذلك، وما عدا ذلك فإن المستقبل قد لا يكون مطمئناً لهؤلاء التجار.
21 / 1 / 2006م       عدد 12168
 

ستار أكاديمي وشركات الاتصالات والمطلوب أكثر

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
أوضح مدير عام التسويق والإعلام بشركة الاتصالات السعودية أن السبب وراء قيام الشركة بحجب خدمة الرسائل (SMS) للاشتراك في التصويت في برنامج ستار أكاديمي منذ بدء عرض البرنامج في عام 2004م هو تعارض هذا البرنامج مع عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية، وتمشياً مع ذلك كشف مسؤول في شركة موبايلي أن الشركة ولنفس السبب قد حجبت تقديم خدمة الMSM أيضاً عن نفس البرنامج.
هذا التوجه المحمود للشركتين يعيد بذاكرتي لمقال سب أن كتبته في هذه الزاوية في شهر مايو 2004م بعنوان (شركة الاتصالات بين الأرباح المالية والخسائر الاجتماعية)، طالبت فيه الشركة (ولا أزال) بحجب تقديم خدمة SMS عن جميع القنوات الفنية وعن العديد من البرامج الهابطة التي تقدمها بعض القنوات الفضائية، وإن ما يجعلني أؤكد هذه المطالبة مرة أخرى لشركة الاتصالات السعودية وشركة موبايلي أن غالبية (إن لم يكن جميع) الرسائل لتلك القنوات الفنية تكون مرسلة من قبل فئة من المراهقين دون أن يكون هناك حسيب أو رقيب عليها مما يعني هبوط المستوى الأخلاقي الذي تكون عليه تلك الرسائل كما هو واضح للجميع حالياً في العديد من القنوات التلفزيونية.
وإن ما يؤكد مطالبتي لشركات الاتصالات لدينا بحجب خدمة SMS عن كل القنوات الفنية أن مجتمعنا لا ينقصه أن نفتح عليه أبواباً جديدة لكي يظهر من خلالها بعض شبابنا وفتياتنا بوجه غير لائق لا يعكس أخلاقياتنا كمسلمين وكسعوديين، وذلك من خلال المستوى المتدني للعبارات والألفاظ التي تتضمنها تلك الرسائل التفاعلية.
وإذا كان المسؤولون في شركة الاتصالات السعودية وشركة موبايلي قد أعلنوا بأن الشركتين ستفقدان المردود المالي الكبير من خلال حجبها لخدمة SMS عن برنامج ستار أكاديمي، فإنني في الوقت الذي أشيد بهذا التوجه للشركتين، فإنني أؤكد هنا بأن على الشركات لدينا ألا يقتصر نظرها على العائد الربحي فقط دون النظر إلى مجمل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي سيتكبدها الوطن من جراء تقديم تلك الخدمة، وبالتالي فإن على جميع شركات القطاع الخاص أن تدرك أنها ليست شريكة للدولة في بناء التنمية الاقتصادية فحسب وإنما هي شريك في بناء التنمية الاجتماعية أيضاً، وبمناسبة انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية فإنني أود أن أوضح أن أحد أهم مبادئ المنظمة هو السماح للدولة العضو بأن تحجب تسويق أي سلعة أو خدمة على أراضيها متى كانت تلك السلعة أو الخدمة منافية لتعاليم الدين والأخلاق الخاصة بتلك الدولة.
مرة أخرى، يجب أن نشيد بموقف شركة الاتصالات السعودية وشركة موبايلي على حجبها لخدمة SMS عن برنامج ستار أكاديمي، ولكننا نطالبهما بحجب تلك الخدمة عن كل القنوات الفنية والبرامج الهابطة التي تعرضها بعض القنوات الفضائية.
* خدمة SMS تعني السماح للمشترك في الجوال بإرسال الرسالة التي يرغبها إلى إحدى القنوات التلفزيونية بتكلفة مالية عالية والإيراد منها يكون موزعاً بين شركة الاتصالات وبين القناة التلفزيونية علماً بأنه ليس هناك رقابة على مستوى الألفاظ والعبارات التي تتضمنها تلك الرسائل عند ظهورها على شاشة التلفزيون.
7 / 1 / 2006م       عدد 12154

هل الغرامة لترشيد المياه أم لاستنزاف الجيوب؟

د محمد بن عبد العزيز الصالح
عندما يقوم أي جهاز من أجهزة الدولة أو إحدى مؤسساتها التي تقدم خدماتها للمواطنين باقرار غرامة مالية بحق أي من الأشخاص المسيئين استخدام تلك الخدمة، فإن الهدف من ذلك هو حث الناس ودفعهم على الالتزام والانضباط في استخدامهم لتلك الخدمة، وبكل تأكيد فإن استنزاف جيوب المواطنين لا يمكن ان يكون هدفاً من تلك الغرامة.ما دعاني لسرد هذه المقدمة هو تلك الغرامات القاسية التي تفرض من وقت لآخر من قبل المديرية العامة للمياه ومقدارها (200 ريال) والتي عادة ما يعاني منها المواطن محدود الدخل، حيث يبدو من تلك الغرامة وكيفية تطبيقها انها تؤدي إلى استنزاف الجيوب وليس الترشيد في استخدام المياه. وأن ضررها يقتصر على المواطن محدود الدخل وفقاً للايضاح التالي:
* ان المواطن الغني صاحب القصر أو البيت الكبير هو من يستنزف المياه بكثرة حيث يتم غسل ساحات القصر بشكل يومي، وبحكم ان لديه شبكة تصريف للمياه داخل المنزل فإن المياه لا تتدفق لخارج المنزل على الرغم من استنزافه المبالغ فيه للمياه، أما المواطن محدود الدخل فليس لديه تصريف داخل للمياه وبالتالي فإن أي تهريب بسيط أو خلل في العوامة سيجعله عرضة للغرامة المالية. فهل حققت مديرية المياه الهدف من فرضها تلك الغرامة المالية؟
* مواطن سافر خلال إجازة الصيف لمدة شهر، وبسبب عطل خارج عن الإرادة في عوامة الخزان أدت إلى تسرب كميات قليلة من المياه للشارع، وعند عودته من السفر وجد أن ثماني مخالفات قيمة كل منها مئتا ريال في انتظاره إلا يفترض من موظف مديرية المياه ان يطرق باب المنزل للتأكد من وجود أهل المنزل؟ ألا يفترض إخطار أهل المنزل بانذار مكتوب قبل ان يتم تحرير المخالفة المالية فيما بعد؟ ثم هل حققت مديرية المياه مبتغاها من ترشيد المياه عندما اثقلت على هذا المواطن محدود الدخل بتلك الثماني مخالفات والتي بلغت قيمتها (1600 ريال)؟
* إن حجم الاستهلاك الشهري من المياه للمواطن محدود الدخل يراوح بين 15 و 20 ريالاً فقط، فكيف تطبق بحقه غرامة مالية تعادل استهلاك كامل السنة لمجرد تسرب مياه للمرة الأولى، علماً أن ذلك قد يكون خارج عن إرادته، لماذا لا يكون هناك تسلسل تدريجي في فرض تلك الغرامة المالية بحيث تبدأ من (50 ريالاً ثم 75 ريالاً ثم 100 ريال ثم 125 ريالاً وهكذا..) على أن تنتهي عدد مرات المخالفة بنهاية كل عام.
* قياساً على الأجواء الترابية لدينا، فإن كل منزل يحتاج الى غسيل كامل دون الاكتفاء بالمسح، فالاتربة التي هي مصدر للعديد من أمراض الحساسية لا يزيلها إلا الغسيل، وبالتالي فعند قيام المواطن محدود الدخل بغسل ساحات منزله مرة واحدة كل شهر أو شهرين من أجل صحة أفراد عائلته فهل يجب ان تكون تلك الغرامة القاسية له بالمرصاد؟
ختاماً، سؤالي الموجه للمسؤولين عن المياه: هل الغرامة المفروضة على تسرب المياه ومقدارها 200 ريال عادلة في ضوء ما ذكرت من معطيات في هذا المقال؟ ثم هل حققت الترشيد في استخدام المياه، أم أنها استنزفت جيوب فئة من المواطنين هم أحوج ما يكونون إلى مبلغ تلك الغرامة؟ ثم ألم يأتي الوقت الذي يفترض ان نميز فيه بين مرتاحي الدخل ومحدودي الدخل عند حساب تكلفة استهلاك المياه من خلال تطبيق نظام الشرائح على غرار ما هو معمول به في حساب تكلفة الكهرباء؟
31 / 12 / 2005م         عدد 12147

لنقسُ على الغشاشين يا أهل الشورى

د.محمد بن عبد العزيز الصالح
أشارت الصحف خلال الأسبوع الماضي إلى أنّ مجلس الشورى يوشك على الانتهاء من دراسة مشروع نظام مكافحة الغش التجاري الجديد، حيث يتّجه المجلس إلى تغليظ العقوبات ومضاعفتها في حال أن يؤدي الغش التجاري إلى الاضرار بصحة وحياة الإنسان. وفي الوقت الذي أثني فيه على هذا التوجُّه للمجلس، فإنّ هناك عدداً من الجوانب التي أرجو من أعضاء المجلس أن يأخذوها في الاعتبار قبل الانتهاء من دراسة مشروع النظام، علماً بأنّني سبق أن كتبت عن بعض جوانب هذا الموضوع مع بداية دراسة المجلس لمشروع النظام:
* ذكرت الصحف أنّه بناءً على مصدر موثوق فإنّ المجلس بصدد فرض غرامه مالية لا تزيد على المليون ريال بحق كلِّ من يرتكب عملية غش تجاري تؤدي إلى الاضرار بصحة الإنسان والحيوان. وإنّ السؤال الذي يمكن طرحه هنا يتمثّل في السبب الذي يجعلنا نحدِّد الحد الأعلى للعقوبة المالية، ثم لماذا لا توجد حدود دنيا رادعة لتلك العقوبة إذا ما علمنا بأنّ لجان الفصل في قضايا الغش التجاري عادة ما تكتفي بفرض غرامات زهيدة لا تتجاوز الخمسة آلاف ريال، مما يعني أنّ حجم العقوبة المالية لن يعادل سوى جزء بسيط من حجم الأرباح العالية التي قد يحققها التاجر من جرّاء ارتكابه لمخالفة الغش التجاري، وقيامه ببيع سلع غذائية منتهية الصلاحية قد يزهق بسببها الكثير من الأرواح البريئة .. وبالتالي فبدلاً من أن تكون الغرامة المالية رادعاً لمن يرتكب مخالفة غش تجاري، أصبحت تلك العقوبة مشجِّعة لكلِّ ضعيف نفس يرغب في ارتكاب مثل تلك المخالفات. أعتقد بأنّ حجم الغرامات المالية المطبقة يجب أن تكون شاملة لكافة الأرباح التي حققها من قيامه بتسويق تلك السلع المغشوشة، مضافاً إليها الغرامة المالية المقترحة والتي تم تحديد حدِّها الأعلى بمليون ريال .. فمن يسوِّق مستحضرات تجميلية أو سلعاً غذائية فاسدة في كافة مناطق المملكة، ويزهق بسبب ذلك أرواحاً بريئة، ويحقق ملايين الريالات كأرباح من جرّاء ذلك، لا يستحق أن نتعاطف معه بقصر الغرامة المالية عليه بمليون ريال فقط.
* أرجو من الإخوة أعضاء المجلس أن يدرسوا إمكانية اعتبار مخالفات الغش التجاري على أنّها (جرائم) بدلاً من قصرها على (مخالفات) تجارية، خاصة تلك الحالات التي تؤدي إلى إزهاق أرواح بريئة مما يعني تغليظ العقوبات، بحيث تشمل السجن والجلد وأحياناً القصاص في بعض تلك الجرائم.
* من الأهمية أن يتم إدراج عقوبة التشهير ضمن العقوبات التي سيتضمّنها مشروع نظام الغش التجاري الجديد. فإذا كان لاسم التاجر أهمية كبيرة سواء في مجتمع كالمجتمع السعودي أو في السوق، فإنّني أتساءل عن السبب الذي يجعلنا لا نشهر ولا ننشر أسماء مثل هؤلاء الأشخاص الذين لا يتردّدون في ارتكاب مثل تلك الجرائم الإنسانية بحق إخوانهم المواطنين والمقيمين. ثم لماذا نراعي شعورهم من خلال التكتُّم والمحافظة على أسمائهم. في ظني إنّ عقوبة التشهير من خلال نشر أسماء هؤلاء التجار، بل وحتى نشر صورهم الشخصية في وسائل الإعلام، سيكون مفعوله أكثر من الغرامات المالية المفروضة عليهم.
إخواني أهل الشورى، السوق مليء بجرائم ومخالفات الغش التجاري، وقد لا تتعدّل تلك الأوضاع ما لم تسلكوا مسلكاً رادعاً في مشروع نظام مكافحة الغش التجاري والذي هو بين أيديكم حالياً.
24 / 12 / 2005م         عدد 12140

العقوبة غير رادعة يا معالي الوزير

د.محمد بن عبد العزيز الصالح
عندما صدر قرار مجلس الوزراء رقم (50) في عام 1415هـ والقاضي بإلزام المؤسسات والشركات التي لديها عشرون عاملاً فأكثر بسعودة (5%) من مجموع العمالة الموجود لدى كل مؤسسة بصفة سنوية، كنا نتمنى أن تلتزم كل المؤسسات بذلك وأن تعمل على الإحلال التدريجي لشباب الوطن على امتداد الاثني عشر عاماً الماضية، وذلك بدلاً من العمالة الأجنبية التي غصت بها مختلف الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية والخدمية. وبكل صراحة لم يكن يرد في الحسبان أن تصل اللامبالاة والضرب بالوطنية عرض الحائط من قبل بعض أصحاب المؤسسات الوطنية إلى الحد الذي يقدمون فيه على تسجيل أسماء مواطنين بشكل وهمي في سجلات المؤسسة تزويراً وذلك تهرباً من تنفيذ قرار السعودة والرفع بتلك المعلومات المزورة للجهات المختصة.
خلال الأسبوع الماضي صدر قرار معالي وزير العمل الدكتور غازي القصيبي بإيقاف الاستقدام لمدة خمس سنوات عن مؤسسة أهلية وذلك لتسجيل عدد (34) مشتركاً في التأمينات الاجتماعية على الرغم من عدم عملهم لدى تلك المؤسسة.
في اعتقادي أن المخالفة التي اقترفها صاحب المؤسسة يجب ألا يتم قصر التعامل معها على أنها مخالفة لقرارات السعودة فحسب وإنما يجب التعامل معها على أنها جريمة تزوير، فصاحب المؤسسة لم يتردد في تقديم معلومات وأسماء مزورة مغلوطة للجهات الحكومية المختصة حيث استطاع من خلالها الإضرار بالمصلحة العامة من خلال قيامه بتقديم تلك الأسماء الوهمية على وثائق رسمية زعماً منه بأنهم موظفون لديه وتهرباً منه من تنفيذ الواجب الوطني عليه بإتاحة الفرصة لأبناء الوطن وعدم إحلالهم تدريجياً بدلاً من العمالة الأجنبية لديه. فالمادة الخامسة من نظام مكافحة التزوير الصادر بقرار مجلس الوزارة رقم (550) وتاريخ 3-11- 1382هـ وتوج بالمرسوم الملكي رقم (53) وتاريخ 5-11- 1382هـ تقضي بإيقاع العقوبة بالسجن من سنة إلى خمس سنوات على كل من أثبت وقائع وأقوال كاذبة على أنها وقائع صحيحة أوقام بوضع أسماء غير صحيحة أو غير حقيقية في أوراق رسمية.
وفي ضوء تلك المادة النظامية التي تضمنها نظام صادر بمرسوم ملكي، وفي ضوء شناعة الجرم الذي أقدم عليه صاحب تلك المؤسسة بارتكابه لجريمة التزوير، وفي ضوء خطورة مثل هذا التصرف اللامسئول على قضية السعودة التي تهمنا جميعاً، فهل شاطرني معالي الدكتور غازي القصيبي الرأي في أن التكييف القانوني للفعل الذي ارتكبه صاحب المؤسسة لا يتوجب أن يقتصر تصنيفه على أنه من قبيل المخالفات وإنما يتجاوز ذلك الى اعتباره جرماً وبالتالي فإنه وبالإضافة لعقوبة إيقاف الاستقدام التي تم إقرارها من وزارة العمل، فإنه يفترض أيضاً أن يتم إحالته للجهات المختصة لتطبيق العقوبات المنصوص عليها في نظام التزوير حيث سيكون ذلك رادعاً لكل مَنْ تسول له نفسه تقديم معلومات مزوره للسلطات لا يتضرر منها سوى الوطن والمواطن.
لمجرد التنويه
هناك فرق بين مَنْ يكتب عن قضية السعودة بدوافع وطنية بحتة سواء كانت تلك الدوافع اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، وفرق بين مَنْ يكتب عنها لتحقيق أغراض مادية شخصية بحتة سواء كان من أصحاب الورش أو المؤسسات والشركات أو كان مدفوعاً للكتابة نيابةً عنهم. والله المستعان.
17 / 12 / 2005م           عدد 12133

تغليظ العقوبة لوقف مسلسل الجرائم التجارية

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
أثناء تصفحي إحدى الصحف المحلية، وقعت عيناي على جملة من الأخبار التي يقف لها شعر الرأس، ومنها: (شرطة الرياض تصادر أكثر من خمسة آلاف إطار غير صالحة للاستخدام) وخبر آخر ينص على: (هيئة الغش التجاري تتلف أكثر من أربعة ملايين وحدة من المواد الاستهلاكية الفاسدة) وخبر آخر ينص على: (تسويق مستحضر تجميلي في صيدلياتنا يؤدي لقصور في وظائف الكبد).
وأمام تلك المخالفات (بل الجرائم) التجارية والجنائية التي تستشري في الكثير من أسواقنا يتبادر للذهن جملة من التساؤلات، فإلى متى سوف يستمر انتشار تلك المخالفات (أو الجرائم) الجنائية التي أودت وما زالت تودي بحياة الكثير من الأبرياء دون ذنب؟ ولماذا لا يتم الضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح الناس؟ ولماذا لا يتم تحليل وفحص كافة السلع المستوردة قبل أن يتم فسحها وتسويقها في أسواقنا؟ ثم هل تتضمن الأنظمة واللوائح المعمول بها لدينا العقوبات الكفيلة بردع كل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح الناس؟ وهل تتضمن تلك اللوائح عقوبة السجن بل والجلد لذلك التاجر المروج لتلك السلع القاتلة أو حتى مجرد عقوبة التشهير به؟ أم أن العقوبات المطبقة لا تتجاوز العقوبات المالية التي لا تمثل سوى جزء يسير من الأرباح الطائلة التي يحققها بعض التجار من خلال متاجرتهم وتسويقهم لتلك السلع القاتلة؟ نحن لا يهمنا لمن نوجه الاتهام أو لمن تحمل المسؤولية من تواجد السلع التجارية أو المستحضرات العلاجية القاتلة، بقدر اهتمامنا بأن يتم استئصال كافة تلك السلع والممارسات التي تزخر به أسواقنا من وقت لآخر.
في ظني أنه ما لم يتم التشديد من خلال فرض عقوبات السجن والجلد بل وحتى الإعدام في حالات معينة وذلك لكل من تسول له نفسه المتاجرة بأرواح الناس من خلال تسويقه لتلك السلع القاتلة، نعم ما لم يتم ذلك فإننا سنظل نتحدث ونكتب وننتقد دون جدوى، والأمرّ من ذلك أن مسلسل إزهاق الأرواح البريئة من جراء تلك التجاوزات التجارية سيستمر دون أن نتمكن من التصدي لها.
الجدير بالذكر أن مجلس الشورى قد فرغ مؤخراً من مناقشة نظام مكافحة الغش التجاري حيث يذكر أن المجلس قد اتجه إلى تغليظ العقوبات ومضاعفتها في حال أن يؤدي الغش التجاري إلى الإضرار بحياة البشر، وفي الوقت الذي نثني على هذا التوجه لتغليظ العقوبات الذي طال انتظاره كثيراً فإنه من الأهمية التأكيد على أن تلك العقوبات لن تكون ذات جدوى ما لم يتم تطبيقها فعلاً وعلى أن لا يكتفى بتطبيق الحدود الدنيا.
ختاماً نذكر بأن الكثير من الضحايا والأنفس البريئة قد أزهقت أرواحها بسبب ممارسات الغش التجاري التي يمارسها بعض التجار، ولو كانوا يدركون أنه سيطبق عليهم عقوبات رادعة تتوافق مع ما يرتكبونه من جرم لما تجرأ أحد منهم على تسويق مثل تلك السلع القاتلة.
ولذا فإنني أؤكد على جميع الجهات ذات العلاقة أن تتعامل مع هذا الموضوع بقسوة وأن تعمل على تغليظ العقوبات المطبقة فعلاً.
10 / 12 / 2005م        عدد 12126

أحبّنا القصيبي كثيراً فأحببناه أكثر

د.محمد بن عبد العزيز الصالح
عندما صدر قرار السعودة الشهير رقم (50) عام 1415هـ، لم نلحظ تحسُّناً في نسب السعودة، ولم يتفاعل معه رجال الأعمال مطلقاً على الرغم من وجود أكثر من ستة ملايين عامل أجنبي، وعلى الرغم من هجره ستين مليار ريال سنوياً من خلال تلك العمالة، بل إنني لا أبالغ القول بأنّ أعداد العمالة الأجنبية بعد أكثر من عشر سنوات على صدور هذا القرار هي في زيادة وليست في نقصان.
إنّه وعلى الرغم من كون قضية السعودة من أكثر القضايا أهمية لمستقبل هذا الوطن ومستقبل أبنائه، ناهيك عن تأثير تلك القضية البالغ على كافة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المحيطة بنا، وعلى الرغم من أنّ قضية السعودة من أكثر القضايا التي صدرت فيها قرارات عليا، إضافة لكون تلك القضية قد حظيت بتغطيات إعلامية واسعة في الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، كما عُقد من أجلها عشرات الندوات والمؤتمرات، فعلى الرغم من كافة تلك الاعتبارات، وعلى الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على قرار السعودة رقم (50)، إلاّ أنّنا وللأسف الشديد لم نحقق تقدماً ملموساً في سعودة معظم القطاعات الاقتصادية، وسبب ذلك في رأيي يعود لعاملين .. أولهما يعود لوزارة العمل التي لم تطبِّق منذ البداية الآليات المناسبة لوضع قرار السعودة (50) محلاً للتنفيذ الفعلي، والسبب الآخر يعود لرجال الأعمال الذين لم يتجاوبوا مع قضية السعودة، حيث غلب على الكثير منهم طابع الأنانية وحب الذات، متنكرين لكافة التسهيلات التي قدّمها لهم وطنهم سواء من خلال عدم فرض ضرائب عليهم أو من خلال تقديم التسهيلات المالية من إعفاءات وقروض وخلافه. وبالتالي فإنّهم وبدلاً من الوقوف مع الدولة وإتاحة الفرصة لأبناء البلد للتدريب والعمل بشكل تدريجي لهم، نجد بأنّ البعض منهم قد أعلن المقاومة ضد السعودة ملوِّحين بنقل أموالهم للخارج.
وعندما تولّى معالي الدكتور غازي القصيبي دفّة وزارة العمل قبل عامين، تبيّن لمعاليه عدم وجود أي بوادر من رجال القطاع الخاص للاستجابة لنداءات السعودة، عندها أيقن معالي الدكتور القصيبي عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه وأدرك أنّ الأمانة والمسؤولية تقضي بأن يشرع معاليه وعاجلاً في تفعيل قضية توطين الوظائف والحد من البطالة، وعندما بدأ معاليه بتطبيق بعض الآليات التي تكفل تطبيقاً أمثل لقضية السعودة وفقاً لما تمليه عليه المسؤولية الملقاة على عاتقه، ثارت ثائرة البعض (وليس الكل) من رجال الأعمال، ملعنين رفضهم ومقاومتهم لأيِّ إجراء أو سياسة تؤدي لإحلال العامل السعودي محل نظيره الأجنبي، كما وصل بالبعض منهم إلى الإفصاح بشعور الكراهية تجاه معاليه منذ تولِّيه دفّة وزارة العمل بعد أن كان معاليه وعلى امتداد ثلاثين عاماً يحظى بمشاعر الحب منهم قبل ذلك.
وأمام شعور الكراهية التي يحاول البعض من رجال الأعمال بثّها مؤخراً تجاه الدكتور القصيبي، أود أن أوضح جملة من الأمور منها:
- يكفي الدكتور القصيبي فخراً بأنّه طوال الثلاثين عاماً الماضية قد حظي بحب وتقدير كافة شرائح المجتمع بمن فيهم رجال الأعمال، وذلك على إنجازاته الوطنية المتعدِّدة، وأنّ شعور الكراهية لم يتغلغل مؤخراً سوى لفئة قليلة من رجال الأعمال، لا لشيء سوى لأنّ وطنية ومسؤولية غازي القصيبي تحتم عليه تطبيق إجراءات قد تمس العوائد الربحية لهم على المنظور القصير.
- إنّ الدكتور القصيبي لم يشرع بتطبيق إجراءات السعودة بشكل مفاجئ، وإنّما جاءت تحرُّكات معاليه بعد فشل ذريع للقطاع الخاص في الاستجابة لنداءات السعودة التي تضمّنها القرار (50) قبل أكثر من عشر سنوات، كما تأتي جهود القصيبي نظراً للمجاهرة في رفض مبدأ السعودة لدى الكثير من رجال الأعمال الذين تعج محلاتهم ومؤسساتهم بالآلاف من العمالة الأجنبية غير المتخصصة والرخيصة التكلفة، ودون أن يكون هناك أيّ نصيب لأبناء الوطن .. وعندما تحرّك القصيبي لتفعيل قضية السعودة لمصلحة الوطن وأبناء الوطن انطلاقاً مما تمليه عليه مسؤوليته، فإنّ معاليه لا يأبه بكراهية قلّة سيطرت عليها الأنانية وحب الذات وجعلت مصلحة الوطن وأهل الوطن آخر اهتماماتها.
- لقد فرضت وطنية القصيبي أن يتحمّل مسؤوليته وأن يتصدّى لبعض رجال الأعمال الذين بلغ بالبعض منهم إلى الحد الذي يقومون فيه بتسجيل أسماء مواطنين بشكل وهمي في سجلات المؤسسة تزويراً، وذلك تهرُّباً من تنفيذ قرار السعودة والرفع بتلك المعلومات المزوّرة للجهات المختصة، ولذا فلا غرابة أن يخالج تلك الفئة من رجال الأعمال بعض مشاعر الكراهية لمعاليه، ولسان حال القصيبي يقول:
(وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل).
- نظراً لمطالبة رجال الأعمال بالمرونة مع المؤسسات والشركات التي لا تستطيع أن تحقق نسب السعودة المطلوبة لأسباب معيّنة مثل عدم وجود سعوديين يشغلون هذه الوظائف لندرتها، لذا فقد استجاب الدكتور القصيبي لمطالبهم مضمناً نظام العمل الجديد صلاحية الوزير في منح التأشيرات لمعالجة تلك الأوضاع، فأيّ مرونة ينشدها بعض رجال الأعمال من القصيبي بعد ذلك، إلاّ إن كانت هذه الفئة من التجار يتطلّعون إلى وقوف القصيبي مع ما يعزِّز مصالحهم المادية على حساب المصالح الوطنية المتعدِّدة، وما لم يتم ذلك فإنّهم سيوجِّهون مشاعر وسهام كرههم لتوجُّه معاليه، ولكن بكلِّ تأكيد فإنّ معاليه لن يكترث لتلك المشاعر.
ختاماً، كلُّنا رجاء يا دكتورنا القصيبي بأن تولوا جلّ اهتمامكم لهذه القضية الهامة لمستقبل أجيالنا مهما تعدّدت العقبات التي تواجهكم، ومهما تعدّد الأشخاص الكارهون لتوجُّه معاليكم (وهم بالتأكيد قلّة)، فالفرق بين معاليكم وبين هؤلاء الأشخاص أنّ معاليكم يتعامل مع قضية السعودة من خلال كافة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنيّة على مستوى الوطن، فيما يتعامل معها الأشخاص الكارهون لتوجُّه معاليكم من خلال منظورهم المادي الضيِّق قصير الأجل، وإزاء هذا الحب وتلك الغيرة التي يحملها معاليكم لأهل هذا الوطن، فإنّنا نشيد بنجاحاتكم المتعدِّدة، ونؤكد بأنّنا أحببنا معاليكم ثلاثين عاماً وزاد هذا الحب في سنواته الأخيرة.
3 / 12 / 2005م          عدد 12119