ترجمة

سلطان.. الأمير الإنسان

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
هنا وعبر هذه الزاوية المتواضعة بجريدة (الجزيرة) يسرني أن أدلي بحبر قلمي روحاً وجسدا للكتابة عن طودٍ إنساني فريد، قد وسع بقدرة المولى العزيز حاجة السائلين وألم المكلومين وفاقة المعوزين ويأس من تقطعت بهم الأسباب من العالمين، كما رحب بشاشةً وسعداً بكل أفراح الوطن وأهله في كل محافل البهجة أنّى حلّ أو استقر.
إنه رجل ارتضى لنفسه الإحسان مقاماً واصطفى لمعشره الطيب خليلاً ورفيقا، قد دنت لشخصه سيرُ الحاضر بالخصال الحميدة، وبثراء الخلق القويم الذي هو نهج سلالة مجد ينحدر منها، شأن تلك السلالة في الفضل شأن عريق.
إنه رجل طوع له الله القلوب لترف بحبه، فبالأمس القريب ألمّ به عارض صحي. لم يمسّه ذلك العارض وحده بالضرر بل مسّ سائر تلك القلوب بالكلْم والكرب، فبعد أن رأوا ملاذهم بعد الله ينام عليلاً تحسسوا صبرهم وجلدهم أملا في الخلاص من وقع ذلك النبأ الذي خيمت ظلمته إثر غياب مسعف المحتاجين منهم ومطبب آلامهم بيد الله، ثم لم يهنوا أبداً في دعائهم وتضرعهم إلى البارئ القدير يسألونه ان يسكنَه العافية وأن يبدل وهنه الصحي بالسلامة الدائمة والصحة البالغة؛ فما استقر لأحد من قضاء حاجة أو شأن من شؤون الحياة مهما عظم إلا ونازعه تقديم الاطمئنان على سلامة عليلهم الغالي، ولذا لم يكن مستغرباً أن يتوالى الجميع على زيارة هذا الرجل المعطاء سواء من أهل مملكتنا العزيزة، أو من الوفود الأشقاء والأصدقاء، سواء قادة الدول أو مبعوثيهم، والذين قدموا من خارج المملكة لأداء واجب عيادته والوقوف بجواره للدعاء والاطمئنان عليه.
وبالنظر قليلا إلى مآثر هذا الرجل الكريم سنجد الخير مدراراً والمعروف سبيلاً يتقاطر فيه الناس بين يديه بعون الله، فعطاؤه يعم أرجاء الوطن، ومن قبيله تشييد المراكز الطبية المتخصصة، إما لعلاج أمراض القلب أو أمراض الكلى، إضافة للمنابر التعليمية ذات التخصصات المنشودة، فنجد الجامعة والكلية والمعهد، تلك الصروح التي تعمل على تأهيل الكوادر الوطنية، ما كان لها ذلك لولا توفيق الله الذي يسَّر لهذا الرجل الرؤى السديدة والوعي المجيب لكل ما هو فاعل لأبنائه وبناته المواطنين والمقيمين، كما نجد الكثير من المرافق المهمة التي تحمل اسمه تشرفاً وتقديراً لمساعيه المحمودة، وخاصة في مجال أمن الوطن والدفاع عنه، ولم يخلُ - رعاه الله - من العرفان له بالفضل، فقد ازدانت به أوسمة الاستحقاق والشرف وكذلك الجوائز الدولية التقديرية التي أوفت لشخصيته المثالية الرائدة في المجالات التي تقلد زمام قيادتها.
لقد لمسنا في الأيام الماضية أي قدر يكنه الشعب السعودي لهذا الرجل وأي منزلة رفيعة يسكنها لديهم، وأي مكانة يهبها له هذا الوطن الأبي، فقد اتضحت المشاعر الصادقة نحوه وتدفق له المكنون حسنا وطيبة، فلا ريب أن ذلك مرده تلك المآثر الخيرة وتلك الأعمال النبيلة التي كان لها الصدى الواسع في رقعة هذا الوطن الغالي، كما تعدت أعماله الحدود، إذ استطاع هذا الرجل بسلوكه الرفيع ان يجعل من الروابط الأخوية وأواصر المحبة سلوكاً في تعامله الخارجي، وقد عمد هذا الرجل في جميع مناشطه إلى روح السلام وتكريس مفاهيم الأمان والجوار الحسن بين الشعوب خدمة لقيمه ووطنه وحكومته وشعبه الوفي، وخدمة للشعوب العربية والإسلامية والصديقة.
إنه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام، هذا الرجل الصفوة الذي تتفتق له قرائح الشعراء وأذهان الكتاب فيفسحون من اللغة ما تجود به لبيان هباته الكثار، ولا أجدني أمامه إلا مردداً قول الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا
وأندى العالمين بطون راحي
إن التأريخ الذي سطره المغفور له - بإذن الله تعالى - الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لا يمكن له إلا أن يُريَ الخليقة صفوة الرجال الذين يخلدون بعلو سلطانهم ورفعة قدرهم وسماحة خلقهم، وهذا مسعى من آمنوا بهدي الله بصيرة وأيقنوا بتقوى الله طريقاً مؤزراً، ومن أولئك الرجال الأمير الإنسان سلطان الخير والمحبة والسلام.
26 / 6 / 2004م             عدد 11594

من قتل زهور الرياض

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
في العدد الاخير من (نشرة تطوير) الصادرة عن الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، نشر على الغلاف الخلفي اعلان مؤثر تضمن اسماء قتلى الحوادث المرورية من الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 4 - 22 سنة، خلال شهري محرم وصفر من العام الحالي. وبمجرد اطلاعي على ذلك الاعلان، باشرت بالاتصال بأحد المختصين في الهيئة رغبة في ايصال اعجابي وتقديري لهم على نشر ذلك الاعلان المتميز، والذي هو امتداد لتميز الهيئة في كافة مناشطها. وخلال محادثتي مع ذلك المختص افادني بجملة معلومات واحصائيات يقف لها شعر الرأس. ذكر محدثي ان تلك الاسماء المعلن عنها للاطفال الضحايا لا تمثل سوى جزء بسيط جداً من الاطفال الابرياء الذين ازهقت ارواحهم حوادث السيارات بمدينة الرياض خلال تلك الفترة.
كما اوضح لي ان هناك اكثر من اربعة آلاف قتيل سنوياً بسبب الحوادث المرورية وان هذا الرقم هو نصف الرقم الحقيقي اذا ما علمنا بأن اكثر من أربعة آلاف يتوفاهم الله في المستشفيات بعد وقوع الحادث المروري بأيام. كما اوضح لي بأن 30% من اسرة المستشفيات بالمملكة مشغولة بمصابي الحوادث المرورية مما يضاعف تكلفة الخدمات الصحية لدينا، واضاف محدثي بأن الخسائر المالية المحسوبة في مدينة الرياض فقط بسبب الحوادث المرورية تصل إلى 3 مليارات ريال سنوياً مع امكانية ارتفاع هذا الرقم إلى ثمانية مليارات ريال في السنة ان لم يتم تدارك الوضع.
وقد اوضح لي هذا المختص بأن الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض وبتوجيه من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز امير منطقة الرياض رئيس مجلس ادارة الهيئة قد ادركت اهمية الارتقاء بالسلامة المرورية والحد من حوادث الطرق حيث تم تشكيل لجنة عليا للسلامة المرورية بمدينة الرياض برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز نائب امير منطقة الرياض نائب رئيس مجلس ادارة الهيئة كما اقر مجلس ادارة الهيئة استراتيجية السلامة المرورية والتي بذل فيها الكثير من الجهد والوقت من قبل الهيئة وكافة الجهات ذات العلاقة وقد كان لتلك الجهود الحثيثة من قبل الهيئة ان انعكس ذلك ايجاباً على مستوى السلامة المرورية في مدينة الرياض حيث نجد ان اعداد ضحايا الحوادث المرورية في الربع الاول من العام 1424هـ (116)، في حين تناقص هذا العدد خلال الربع الاول من العام 1425هـ فكان (86)، على الرغم من الازدياد الملحوظ في الحركة المرورية في مدينة الرياض.
ختاماً، اتمنى ان يكون في كل منطقة من مناطق المملكة لجان عليا للسلامة المرورية وذلك على غرار ما هو موجود في مدينة الرياض، وان تنطلق تلك اللجان في اعمالها من حيث انتهت لجنة السلامة المرورية في الرياض والاستفادة مما تضمنته استراتيجية السلامة المرورية دون الحاجة للبدء من جديد باعداد الدراسات والابحاث في هذا الخصوص.
 
13 / 6 / 2004م              عدد 11581

أهلها منعوها فماذا نحن فاعلون؟

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
أصدرت السلطات البريطانية خلال الأيام القليلة الماضية قراراً يقضي بمنع الإعلانات التلفزيونية الخاصة بالوجبات السريعة أثناء عرض المحطات التلفزيونية للبرامج الخاصة بالأطفال، وقد كان الدافع لهذا القرار ما تحتويه تلك الوجبات السريعة من مواد ومكونات غير صحية، وأمام هذا القرار تبادر إلى الذهن عدة أمور منها:
1) ان هذا الاعتراف صادر من قبل الدولة المصنعة والمصدرة لتلك الوجبات السريعة، وهو اعتراف يحمل في طياته التحذير من الأضرار الصحية التي تحتويها تلك الوجبات وخاصة على صحة الأطفال، وفي ظني ان هذا الاعتراف هو أبلغ من نتائج أي دراسة علمية تحذر من تلك الوجبات السريعة.
2) عندما تنتشر أي مشكلة أو عادة غير صحية أو غير أخلاقية في المجتمعات الغربية، فإن تلك المجتمعات لا تتردد في تصديرها لمجتمعات العالم النامي ونحن منها، ولكن الفرق بيننا وبينهم أنهم يسارعون إلى تدارك أضرار تلك العادات غير الصحية والتصدي لها، وما توجه تلك المجتمعات للتصدي للتدخين بمنعه في المحلات العامة، وكذلك منع الإعلان عن الوجبات السريعة في البرامج التلفزيونية إلا تأكيد على هذا التوجه، أما في مجتمعاتنا فنحن لا نتردد في استيراد تلك العادات غير الصحية، كما اننا لا نتردد في تسهيل انتشارها والدعاية لها لتناولها شريحة أكبر من أطفالنا دون وعي وادراك منا لتلك المخاطر الصحية التي قد تلحق بأطفالنا من جراء تفشي وانتشار تلك الوجبات السريعة.
3) نتذكر في هذا الخصوص وبتقدير تلك المبادرة الايجابية من قبل إدارة مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض عندما تبنت رفع قضية ضد شركات تصنيع التبغ والدخان مستندة في ذلك إلى ان تلك الممارسة غير الصحية قد الحقت أضراراً صحية بالكثير من متعاطي التدخين إضافة إلى ان آفة التدخين قد تسببت في رفع تكلفة الخدمات الصحية في المملكة بصفة عامة وبالمستشفى التخصصي على وجه الخصوص. وفي الوقت الذي نقدر لإدارة المستشفى التخصصي هذا التوجه فإننا ندعوها أيضاً إلى تبني خطوة ايجابية أخرى تتمثل في التصدي للاكلات السريعة وما تلحقه بمجتمعنا من أضرار صحية، إضافة إلى تسبب تلك الأكلات في زيادة تكلفة الخدمات الصحية في المملكة بشكل غير مباشر، أتمنى من المختصين بالمستشفى التخصصي ان يقوموا بالدراسات اللازمة للتأكد من تلك الأضرار الناتجة عن تفشي الأكلات السريعة على أن يتم رفع دعوى قضائية ضد الشركات المنتجة لها.
4) من الأهمية أن يكون لوزارة الإعلام دورا في التصدي لحمى الإعلانات والدعاية الجاذبة لتلك الأكلات السريعة حيث تلجأ تلك الإعلانات إلى ربط تسويق تلك الوجبات غير الصحية بوجود الألعاب وأماكن التسلية في محلات بيع تلك الوجبات.
مجرد تساؤلات:
هل للمستثمرين في قطاع الوجبات السريعة الحرية المطلقة في توجيه رسالتهم الإعلانية بالشكل المؤثر والجاذب لأطفالنا من خلال ربط تلك الوجبات بتوفير الألعاب وأماكن التسلية مما يؤدي إلى دفع اطفالنا إلى التسابق لتناول تلك الوجبات غير الصحية؟
في ظني ان تلك الحرية لا يجب ان تكون مطلقة، ولا أدل على ذلك من قيام السلطات البريطانية بالاعتراف الصريح بالمخاطر الصحية لتلك الوجبات السريعة من خلال منع الإعلانات عنها في البرامج التلفزيونية. فهل يكون للجهات المعنية لدينا موقف حازم تجاه هذا الموضوع أم نترك الموضوع وكأنه لا يعنينا على الرغم من خطورته الصحية على أطفالنا..؟ مجرد تساؤل.                         
5 / 6 / 2004م             عدد 11573

شركة الاتصالات بين الأرباح المالية والخسائر الاجتماعية

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
تنوي شركة الاتصالات قريباً تقديم خدمة جديدة تسمى (خدمة الرسائل القصيرة التفاعلية الإعلامية) أو خدمة (sms) وتعني تلك الخدمة السماح للمشترك في الجوال بإرسال الرسالة التي يرغبها إلى إحدى القنوات التلفزيونية، وستكون تكلفة تلك الرسالة عالية جداً، والإيراد منها سيكون موزعاً بين شركة الاتصالات وبين القناة التلفزيونية، علماً بأنه لن يكون هناك رقابة على مستوى ألفاظ وعبارات تلك الرسالة عند ظهورها على شاشة التلفزيون وإذا ما علمنا أن غالبية (إن لم يكن جميع) تلك الرسائل تكون مرسلة من قبل فئة المراهقين من الشباب والفتيات دون أن يكون هناك حسيب أو رقيب عليها، فلنا أن نتخيل المستوى الأخلاقي الهابط الذي ستكون عليه تلك الرسائل كما هو الحال في الوقت الحاضر في عدد من القنوات التلفزيونية ولذا فإن التساؤل الأهم هنا: هل سيرضى القائمون على شركة الاتصالات (سواء هيئة الاتصالات أو مجلس إدارة الشركة) بتقديم تلك الخدمة لمجرد أنها تحقق أرباحاً مالية محدودة في الوقت الذي ستتسبب تلك الخدمة في العديد من الانعكاسات السلبية على مجتمعنا السعودي سواء في الجوانب الأخلاقية والاجتماعية؟.. ولكي أجيب على هذا التساؤل، أود أن أطرح عدداً من المعطيات التي يمكن من خلالها إبداء الإجابة المناسبة ومنها:
1 - إن مجتمعنا لا ينقصه أن نفتح عليه أبواباً جديدة لكي يظهر من خلالها بعض شبابنا وفتياتنا بوجه غير لائق ولا يعكس أخلاقياتنا كمسلمين وكسعوديين، وذلك من خلال المستوى المتدني للعبارات والألفاظ التي تتضمنها تلك الرسائل التفاعلية الإعلامية.
2 - إن شركة الاتصالات يجب ألا يقتصر نظرها على العائد الربحي فقط دون النظر إلى مجمل التكاليف الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي سيتكبدها الوطن من جراء تلك الخدمة، ولو عدنا إلى النظام الأساسي لشركة الاتصالات لأدركنا بأن المعيار الربحي لا يجب أن يكون هو المعيار الوحيد عند تقديم الشركة لأي من خدماتها، وإنما يتوجب مراعاة المصلحة العامة للوطن من مختلف الجوانب.
3 - من الواضح مما يعرض في عدد من القنوات التلفزيونية حالياً أن المستخدم الأكبر لتلك الخدمة هم من فئة المراهقين (سناً وعقلاً)، كما أن استخدامهم لها منصب على جوانب غير أخلاقية.. إذاً ما هو مبرر تقديم تلك الخدمة من قبل شركة الاتصالات، إننا لا يمكن أن نطالب الشركة بحجب خدمة الهاتف الجوال لمجرد أن فئة محدودة تستخدمها للمعاكسات ولكن يبدو أن خدمة الرسائل التفاعلية الإعلامية تستخدم في مجملها لأغراض غير أخلاقية مما يؤكد مطالبتنا للشركة بحجب تلك الخدمة.
4 - إن تقييمنا لما يقدمه القطاع الخاص من خدمات لا يقتصر على كونه مساهمة في التنمية الاقتصادية فحسب وإنما هو شريك في التنمية الاجتماعية أيضاً، وبالتالي فسوف يحسب على أي شركة تقدم خدمات تخالف أعرافنا وتقاليدنا وقبل ذلك ديننا، فما البال عندما يكون تقديم تلك الخدمات سيتم من خلال شركة تملك الدولة في رأسمالها 70%.
5 - هناك الكثير من الخدمات التجارية التي يمكن أن تدر على أصحابها أرباحاً ولكننا نجد بأن الدولة لم تتردد في التصدي لها ومنعها لاعتبارات ومحاذير أخلاقية واجتماعية (مثال: منع مقاهي الشيشة والمعسل داخل الأحياء السكنية)، وفي ظني أن على الدولة من خلال هيئة الاتصالات أو من خلال مجلس إدارة شركة الاتصالات أن تتصدى لهذه الخدمة طالما أن لها آثارها الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية أيضاً على الوطن وأهل الوطن.
وبعد سرد تلك المعطيات، نتفق جميعاً بأنه يجب أن يكون لهيئة الاتصالات أو مجلس إدارة الشركة كلمة الحسم في التصدي ومنع تلك الخدمة الإعلامية.
 
29 / 5 / 2004م             عدد 11566
 

وكالات السياحة والموقف السلبي تجاه السعودة

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
بدأت هيئة الطيران المدني بالتنسيق مع الهيئة العليا للسياحة مؤخراً بمعاقبة وكالات السياحة التي مازالت تتهرب من سعودة العمالة فيها، حيث عملت الهيئة على إيقاف نظام التشغيل بالكمبيوتر في تلك المكاتب المخالفة مما يعني عدم تمكنها من الارتباط آلياً بالخطوط السعودية والأجنبية لغرض الحجوزات أو إصدار التذاكر إضافة لعدم تجديد تراخيص عمل تلك المكاتب وإيقاف طلباتها من العمالة الأجنبية. الجدير بالذكر أن تلك الوكالات السياحية المخالفة والمتهربة من سعودة العمالة فيها لم تتعاون مع هيئة الطيران المدني ولم تقدم لها المعلومات التفصيلية عن وظائف العاملين فيها. لقد بدأت هيئة الطيران المدني بسلك هذا التوجه الإيجابي بمعاقبة تلك الوكالات السياحية التي تنصلت من واجبها الوطني والتي لم تبال بالتوجيهات العليا المتكررة بالعمل على سعودة العمالة فيها حيث نجد أن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز قد أصدر خلال أعوام سابقة عددا من القرارات القاضية بقصر التوظيف في تلك الوكالات على السعوديين، إلا أن عددا كبيرا من تلك الوكالات لم تكترث بتلك التوجيهات مما جعلها تخضع لتلك العقوبات، وازاء هذا التوجه الإيجابي لهيئة الطيران المدني، نجد بأن رئيس اللجنة السياحية في غرفة الرياض قد صرح (الاقتصادية 16 مارس 2004م) بجملة من الآراء الاعتراضية على معاقبة وكالات السياحة التي لم تلتزم بسعودة العمالة فيها. وإزاء تلك الآراء غير المنطقية لرئيس اللجنة السياحية تجاه أحد أهم القضايا التنموية في بلادنا حالياً ألا وهي قضية السعودة وإحلال شباب الوطن محل تلك العمالة الأجنبية في مختلف القطاعات ومنها قطاع الوكالات السياحية والتي يعمل بها أكثر من خمسة وعشرين ألف عامل، فإنني أود أن أعلق بما يلي:
لو أن من صرح بتلك التصريحات هو أحد ملاك وكالات السياحة الذين لم يترأسوا اللجنة السياحية بالغرفة التجارية أو انضم لعضويتها لكان الوضع أرحم ولكن أن تأتي مثل تلك التصريحات غير الوطنية من قبل رئيس اللجنة السياحية نفسه فهذا ما لا يمكن قبوله مطلقاً. نعم أن تأتي مثل تلك التصريحات غير المبالية بمصلحة الوطن وأهله لا لشيء سوى أنها ترمي إلى تحقيق مزيد من الأرباح الطائلة التي تحققها وكالات السياحة حتى لو أدى ذلك للإضرار بالوطن من جوانب اجتماعية واقتصادية وأمنية متعددة. ومن خلال ذلك الرأي المتصلب ضد توظيف أبناء الوطن في وكالات السياحة في الوقت الذي نجد أن غالبية العمالة الأجنبية في وكالات السياحة هم من العمالة السيرلانكية والبنغلاديشية والتي تعلمت وتدربت على أبجديات أعمال الوكالات لدينا في المملكة.
ويضيف رئيس اللجنة السياحية في تصريحه بأن تطبيق السعودة يجب أن لا يكون من خلال الضغط والإلزام غير المدروس. ونحن نشاركه الرأي ولكننا نذكر سعادته وهو رئيس اللجنة بأن الدولة قد طرقت باب السعودة في وكالات السياحة منذ عدة سنوات وخاصة من خلال اللجان السياحية والتي يترأس سعادته إحداها، علماً بأن تلك اللجان كان لها موقف سلبي غير مبرر تجاه تلك القضية الوطنية.
كما يشير سعادة رئيس اللجنة السياحية بغرفة الرياض بأن ليس لدينا سعوديون مؤهلون للعمل في وكالات السياحة حيث يشير إلى أن العمل في تلك الوكالات يتطلب قدراً عاليا من التأهيل، وفي ظني أن مثل هذا التصريح يؤكد على أن صاحبه وهو رئيس اللجنة السياحية قد تجاوز المعقول. فما هي التقنية العالية التي يحتاجها الشباب السعودي حتى تستمر اللجان السياحية سنوات من المماطلة عاجزة عن سعودة العمل في تلك الوكالات، فالأمر لا يتجاوز عقد دورات تدريبية من شهرين أو ثلاثة أشهر يتعلم المتدرب السعودي من خلالها كيفية التعامل مع الحجوزات والتعامل مع أجهزة الحاسب الآلي، وكان من الأولى على رئيس وأعضاء اللجنة السياحية أن يبادروا منذ سنوات إلى التنسيق مع المؤسسات التدريبية لطرح مثل تلك الدورات التي تهيىء الشباب السعودي للعمل في الوكالات السياحية بدلاً من قصر اللجنة أعمالها على الجهود الرامية لتفعيل ربحية تلك الوكالات مع تجاهل تام للمصلحة الوطنية للوطن وأهله بشكل غير مقبول.
وإذا كان سعادة رئيس وأعضاء اللجنة السياحية يعتقدون بأن الدولة قد طبقت السعودة على وكالات السياحة بشكل مفاجىء فإنهم مخطئون، فالدولة ومنذ سنوات وهي تؤكد على أصحاب الوكالات السياحية بالعمل على سعودة العمالة لديها. وبالتالي فإذا كان رئيس اللجنة السياحية لا يعلم عن تلك الجهود فتلك مصيبة، وإن كان يعلم بذلك (وهو الأكيد بحكم رئاسته للجنة) ولا يزال يطلق التصريحات المضادة لسعودة هذا القطاع، فتلك هي الطامة بعينها. وإذا كان رئيس اللجنة وأعضاؤها يرون بأن تطبيق السعودة سوف يؤدي لإغلاق الكثير من وكالات السياحة مما يضر باقتصاد البلد فإننا نؤكد بأن الوطن ليس بحاجة لأمثال هؤلاء التجار والباب مفتوح أمامهم لإخراج أموالهم ولن يفعلوا لأنهم هم بحاجة هذا الوطن وأهله وليس الوطن بحاجتهم.
15 / 5 / 2004م               عدد 11552

ليس بهذه الحلول نحل مشاكلنا

د محمد بن عبد العزيز الصالح
نشرت صحيفة الاقتصادية في عددها الصادر يوم الخميس 8-4-2004م أن دراسات قانونية أوصت بمطالبة المصارف والبنوك السعودية بعدم منح دفتر شيكات لمن يقل رصيده عن (100.000) مائة ألف ريال وذلك بهدف القضاء على ظاهرة انتشار قضايا الشيكات دون رصيد.
وأمام تلك التوصية الغريبة، لا أملك سوى أن أتساءل هل قضية كتابة الشيك بدون رصيد من القضايا المعقدة للدرجة التي نعلن فشلنا في القضاء عليها من خلال تقديم مثل تلك التوصية؟. ثم هل حرمان من يقل رصيده عن مائة ألف ريال سيكون حلاً مقبولاً للقضاء على تلك الظاهرة؟. فما ذنب من يقل رصيده عن مائة ألف ريال حتى يتم حرمانه من حمل دفاتر الشيكات؟. ألا يعلم من أوصى بتلك التوصية أن شريحة كبيرة من المتعاملين مع البنوك لا تزيد أرصدتهم على مائة ألف ريال؟ وألا يعلم من اوصى بتلك التوصية بأن البنوك السعودية تتنافس على جذب العملاء حتى لو لم يكن في حسابهم سوى آلاف قليلة من الريالات؟. ألا يعلم من أوصى بتلك التوصية بأن التعامل من خلال الشيكات بدلا من النقد هو مظهر حضاري ومعمول به في كافة دول العالم باستثناء المملكة؟ وان التعامل بالشيكات هو حماية للناس من حمل النقود؟. ثم لماذا نحن البلد الوحيد الذي عجزنا حتى اليوم عن علاج مشكلة الشيكات بدون رصيد على الرغم من أعداد الشكاوى المتعلقة بالشيكات بدون رصيد التي قدمت لغرفة الرياض فقط خلال الأعوام القليلة الماضية تزيد على الخمسة عشر ألف شكوى بمبالغ اجمالية تصل إلى خمسة مليارات ريال؟. ثم هل يعقل أن نواصل فشلنا في القضاء على تلك الظاهرة باقتراح مثل تلك التوصية الرامية إلى حرمان كل من يقل رصيده عن مائة ألف ريال من الاستفادة من التعامل بالشيكات؟. ثم من قال ان صغار المستثمرين هم الوحيدون في كتابة الشيكات بدون رصيد، ومن يريد التحقق من ذلك فليراجع أيّاً من لجان تسوية منازعات الأوراق المالية ليجد ان الكثير من مرتكبي تلك المخالفات هم من أصحاب الأرصدة الكبيرة، في ظني أنه إذا كان هذا هو أسلوبنا في معالجة قضايا وظواهر أساسية تواجه شريحة كبيرة من المجتمع بشكل مستمر مثل ظاهرة الشيكات بدون رصيد، فإنني سأكون متشائماً بأننا لن نتمكن مطلقاً في القضاء على تلك الظواهر طالماً ان هذا هو منطقنا وأسلوبنا في القضاء على تلك الظواهر.
ختاماً، لا بد من الإشارة إلى ان العقوبة التي نص عليها نظام الأوراق المالية في مادته (118) نقضي بأن من يرتكب مخالفة الشيكات بدون رصيد فعقوبته السجن ثلاث سنوات وغرامة مالية تبلغ خمسين ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفي حال تكرار تلك المخالفة تتضاعف العقوبة بالحبس لمدة خمس سنوات وغرامة مالية تبلغ مائة ألف ريال.
وبالتالي فإن العلاج الأمثل الذي يجب ان يتم تطبيقه للقضاء على ظاهرة الشيكات بدون رصيد انما يكون بتنفيذ تلك العقوبات التي نص عليها النظام بدلا من ان نوصي بحرمان من يقل رصيده عن مائة ألف ريال من التعامل بالشيكات. ولو تم تنفيذ تلك العقوبات التي تضمنها النظام لأصبحت ورقة الشيك لدينا أداة لتسهيل المعاملات المالية والتجارية كما هو الحال في كافة دول العالم بدلاً من كونها أداة لتسهيل عمليات النصب والاحتيال كما هو الحال في المملكة.
8 / 5 / 2004م            عدد 11545

يا ركاب السعودية احذروا الغرامات المالية

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
نشرت عدد من الصحف مؤخراً خبراً مفاده أن مؤسسة الخطوط السعودية ستبدأ في الأول من شهر مايو هذا العام تطبيق نظام إجراءات جديدة لتخلف الركاب عن السفر وإلغاء الحجوزات المتأخرة، وقد تضمن الخبر عزم المؤسسة على فرض غرامات مالية على تخلف الركاب المسافرين الذين لديهم حجوزات مؤكدة، وذلك على النحو التالي:
الرحلات الدولية، وتقدر الغرامة ب:
300 ريال للدرجة الأولى
200 ريال لدرجة الأعمال
150 ريالاً لدرجة الضيافة
الرحلات الداخلية وتقدر الغرامة ب:
70 ريالاً للدرجة الأولى
50 ريالاً لدرجة الأعمال
30 ريالاً لدرجة الضيافة
كما ستفرض الخطوط السعودية غرامة في حال التأخر في إلغاء الحجز وذلك بواقع (100) ريال للرحلات الدولية و(50) ريالاً للرحلات الداخلية.
وإزاء هذا التوجه للخطوط السعودية الرامي إلى تقليص الخسائر التي تتكبدها المؤسسة نتيجة تخلف الركاب عن السفر، ونظراً لاعتراض بعض وكالات السفر على هذا التوجه، أود أن أوضح عدداً من الجوانب منها:
1) أن مؤسسة الخطوط السعودية لم تلجأ إلى فرض تلك الغرامات إلا بعد أن طفح الكيل، فعلى الرغم من اتباع المؤسسة للعديد من الأساليب العلمية لمواجهة ظاهرة تخلف الركاب عن السفر سواء من خلال المراجعة المستمرة للرحلات والتنسيق بين المحطات شأن متابعة الحجوزات، إلا أن الواقع الملموس والخسائر الفادحة التي تتكبدها الخطوط السعودية سنوياً من جراء تفاقم تلك الظاهرة يؤكد على أن الغرامات المالية قد تكون الوسيلة الأنسب للحد من تلك الظاهرة، ويكفي أن نشير إلى أن عدد الركاب الذين تخلفوا عن السفر على الرغم من تأكيد حجوزاتهم في محطة الرياض فقط قد بلغوا (1.131.457) راكب وذلك خلال عام 2002م، أما في عام 2003م فقد تجاوز العدد إلى أكثر من مليون ومائتي ألف متخلف عن السفر.
2) أن ظاهرة تخلف الركاب عن السفر على الرغم من الحجوزات المؤكدة هي ظاهرة مستمرة بسبب قلة وعي بعض الركاب وكذلك أنانية وفوضى بعض الوكالات السياحية التي لا تتردد في المتاجرة بسمعة ومصلحة خطوطنا السعودية وذلك من خلال قيام تلك الوكالات بحجز مقاعد أكثر من احتياجها الفعلي، فمن يأمن العقوبة يسيء الأدب والتصرف، وما من شك فإن الكاسب الأكبر من تفشي تلك الظاهرة عبر خطوطنا السعودية هي شركات الطيران الأجنبية المنافسة من خلال استقطاب وجذب المزيد من الركاب على حساب مؤسستنا الوطنية.
3) أن هذا التوجه للخطوط السعودية ليس بالأمر الجديد، حيث أدركت الكثير من شركات الطيران في العالم أن الغرامات المالية هي الأسلوب الأمثل للقضاء على ظاهرة تخلف الركاب عن السفر ومن تلك الشركات (شركة مصر للطيران) التي بدأت العام الماضي بتطبيق تلك الغرامات بواقع (50%) من قيمة الرحلة الداخلية و(25%) من قيمة الرحلة الدولية، وبسبب ذلك تمكنت الشركة من التغلب على ظاهرة تخلف الركاب عن السفر.
4) أن عدم تطبيق تلك الغرامات المالية على المتخلفين عن السفر يؤدي إلى تضخم خسائر الخطوط السعودية إضافة إلى عزوف الكثير من الركاب عن السفر على رحلات السعودية وهجرها لغيرها من شركات الطيران الأخرى بحثاً عن المقاعد المتاحة.
والمؤسف حقاً أننا جميعاً نواجه صعوبة في الحجز على أي رحلة من رحلات الخطوط السعودية ولكن عندما نصعد الطائرة نفاجأ بخلو الكثير من المقاعد من المسافرين.
5) إذا كانت بعض وكالات السياحة تنوي الاعتراض والتظلم من هذا التوجه للخطوط السعودية فإن على تلك الوكالات أن تعي بأن الأنانية والفوضى المسيطرة على بعض تلك الوكالات التي دفعت بها للمتاجرة بسمعة ومصلحة الناقل الوطني الوحيد في المملكة من خلال قيام تلك الوكالات إصدار تذاكر إضافية وتفويت فرص البيع المهدرة نتيجة إلغاء الحجوزات في أوقات متأخرة جداً مما يحدث ربكة وخسائر لخطوطنا السعودية، نعم إن ذلك هو ما دفع المسؤولين بالخطوط السعودية إلى فرض تلك الغرامات المالية للحفاظ على حقوق المؤسسة ودعم موقعها التنافسي أمام شركات الطيران الأخرى في سوق السفر المحموم، وأؤكد في هذا الخصوص بأنه يتوجب على الخطوط السعودية أن تضع خطة إعلامية مكثفة حتى يعلم الجميع بتلك الغرامات المالية قبل تطبيق العمل بها.
وإذا كانت بعض الوكالات تتخوف من أن تتحمل خسائر بسبب تقصير الراكب وليس الوكالة، فإن معالجة ذلك يكون من خلال دراسة هذا الموضوع من كل جوانبه بين الخطوط السعودية ووكالات السياحة والتوصل لآلية يمكن من خلالها الوقوف على موطن الخلل وهل هو بسبب الراكب أم بسبب الوكالة.
ختاماً، كل التقدير لمجلس إدارة الخطوط السعودية برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز على طرق هذا التوجه الإيجابي الذي جاء ليؤكد لنا أن المؤسسة تسير في الاتجاه السليم من خلال سلكها لمختلف أساليب التشغيل التجاري كأساس فيما تقدمه المؤسسة من خدمات.
1 / 5 / 2004م          عدد 11538

مؤتمر الوئام في رحاب جامعة الإمام

د.محمد بن عبد العزيز الصالح
إن مبادرة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى عقد المؤتمر الدولي عن موقف الإسلام من الإرهاب خلال الفترة 1-3-3-1425هـ وذلك بمشاركة عدد من العلماء والمفكرين والباحثين من داخل المملكة وخارجها، لتحض على المشاركة والتطلع إلى النجاح المأمول من هذا المؤتمر الدولي الذي يعنى بإظهار الصورة الحقيقية للإسلام وسماحته الفريدة في التعامل مع غير المسلمين، وقد حرصتُ من خلال هذه المشاركة أن أتناول أحد محاور هذا المؤتمر وهو: (وسطية الإسلام وسماحته ودعوته للحوار) مبتدئاً بقوله تعالى:{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
هذه الصورة واضحة وجلية لتعامل الدين الإسلامي مع غير المسلمين الذين لا ينهى الله عن برهم وإقامة القسط عند التعامل معهم، فهم فئة تقيم في بلاد الإسلام نظراً للعلاقات التي تربطنا بهم سواء علاقات دبلوماسية من سفارات أو منظمات دولية, أو بموجب عقود عمل أو زيارة، وهم أهل عهد، وضمان أن يعيشوا في حماية الإسلام بطمأنينة وأمان، وقد أحكمت الآية الكريمة دستور العلاقة مع تلك الفئة، حيث خصها الله بتشريع خاص، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:{وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.. فدستور الإسلام ينهي عن مجادلتهم في دينهم إلاّ بالحسنى وقول الحق، ولم يدعو مطلقاً لمجابهتهم والنيل منهم لكونهم يقيمون في ضمان لا سوء يلحقهم ولا ضيم، فلهم الحق في الحماية من كل عدوان خارجي وأي جور داخلي.
فوسطية الإسلام قد كفلت لغير المسلمين حقوقاً جمة، ومنها حق حماية الدماء والأبدان من الاعتداء الداخلي والخارجي تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم:(من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) رواه البخاري وأحمد.
وتذكر كتب السيرة الشواهد على القصاص من المسلم الذي اعتدى على دم أو بدن معاهد, وهذه الصور المشرقة في سماحة الدين الإسلامي وحرصه على حقوق تلك الفئة لهي رد بليغ على كل من يشكك في مصداقية هذا الدين أو مصداقية هذه البلاد التي اتخذت من ذلك الدين نبراساً لقيَّمها وأصولها سواء في سياستها الخارجية من حيث علاقتها الدولية أو نشاطاتها الخارجية في عمليات السلام وإغاثة المنكوبين ونحوه، أو في سياستها الداخلية والحفاظ على لحمة وطنية بمنهج لا غرو فيه، منهج يكفل للمسلمين وغير المسلمين ضوابط شرعية سمحة دون تمايز أو تفريق بينهم.
كما كفلت الشريعة الإسلامية حماية أموال غير المسلمين وعدم المساس بها، حتى إنه قد بلغ من رعاية الإسلام لأموالهم وحرمة ممتلكاتهم أن يحترم ما يحسبه دينهم مالاً والإسلام لا يعده كذلك، وحماية الأعراض لم يهملها الإسلام لغير المسلمين، فالذمة القائمة تستوجب كف الأذى عن ذوي العهد وتجنيبهم الكلمة السيئة والغيبة الجارجة، وهذا ما ذهب إليه الكثير من الفقهاء عملاً بمفهوم الذمة والضمان لتلك الفئة.
ولعلنا نطلع على مبدأ التضامن الاجتماعي الذي أقرَّه الإسلام لغير المسلمين عندما أمن للعاجز منهم ما يكفيه وعياله من بيت مال المسلمين وإعطائه الصدقات والقوت، فقد تولت الدولة في العصور الإسلامية إطعام تلك الفئة وتأمين مؤنهم دون توقف.
وبذلك الموجز عن الضمانات الإسلامية المكفولة لغير المسلمين لنا أن نلمس وبحق الأرض الواسعة المبسوطة أمام الحوار الذي يمكن خلقه من تلك التعاليم مع غير المسلمين، ذلك الحوار الذي من شأنه تعزيز روابط العلاقات على أساس البر والقسط، وعلى أساس المسؤولية التضامنية في الشريعة الغراء التي يقع تنفيذها على عاتق المجتمع المسلم وتطبيق أحكامها بما في ذلك ما يتعلق بغير المسلمين.
ولا ريب أن المملكة العربية السعودية سعت حثيثاً في سياستها التعليمية إلى بثّ مفاهيم السلام والسماحة في مناهجها التربوية والمعرفية، والتأكيد على المعاملة الحسنة والموعظة الفاضلة، هادفة بذلك نشر ثقافة المحبة والوئام، إما في مستوى التعليم العام، أو في مؤسسات التعليم العالي، وخير شاهد على ذلك هذا التجمع التوعوي الكبير الذي تستضيفه جامعة الامام متمثلة بكل أصول القيَّم الخيِّرة في التعامل بالحكمة والأناة المحمودة مع غير المسلمين.
وإن هذا المنبر الجامعي المتخصص في الثقافة الإسلامية، عندما يدعو إلى هذا الحوار السلمي ليؤكد مدى تمسكه بمفهوم السماحة الإسلامية وعدالة الإسلام ووسطيته، ولتؤكد الجامعة دورها الفاعل في نشر المفاهيم الإسلامية السمحة بالأسس الصحية دون غلو أو جور كما شيع عنها، فهي اليوم تجدد سنّة منهجها الذي هو قوله تعالى:{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء}.. فدعت الجامعة كل التيارات الدينية والأطياف السياسية والثقافية إلى رحابها لتثري الحديث وتشيع روح الحوار حول موقف الإسلام من الإرهاب والفساد في الأرض، ويحدوها في هذا المؤتمر الحواري قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، حيث تظهر الجامعة بهذا المؤتمر إيمانها الحقيقي بقيمة المعرفة في جميع نواحي الحياة التي تشمل المسلمين مع غيرهم بالاحترام المتبادل واكتساب المنافع الخيرة فيما بينهم.
 
24 / 4 / 2004م              عدد  11531

انتشار واستخدام الإنترنت

د. محمد بن عبد العزيز الصالح
 (قصة الإنترنت في المملكة قصة مثيرة تستحق أن تروى وأن تُستوعب) هكذا يقرض معالي الدكتور غازي القصيبي تقديما لكتاب (الإنترنت في المملكة العربية السعودية.. الانتشار والاستخدام) من تأليف سمو الأمير محمد بن سعود بن خالد، والذي يسرد فيه قصة الإنترنت.. نشأة وتطوراً، مبتدئاً بصعوبة تحديد تاريخ معين للإنترنت إلا أنه يعزو هذا التقدم العلمي الى مخترعات سابقة شهدها العالم في الفيزياء والكهرباء والإلكترونيات الحاسوبية والرقمية، وذكر أن الكثير يرون أن فكرة الإنترنت انطلقت من محاولة نقل معلومات بين جهازي حاسوب إلى أن تطورت إلى الحال الذي هي عليه الآن، ويستشهد مؤلفنا على هذا التطور الهائل في النسيج الإلكتروني الدقيق بالاستخدامات المتعددة للإنترنت، كما في المجال العسكري الذي شهد منظومات الأسلحة الإلكترونية وتطبيق التكنولوجيا الحديثة، وكذلك في مجال التجسس والاستخبارات لكون هذه الشبكة ذات قدرات واسعة على جمع المعلومات.
ونظراً لتسارع الكثير من الدول إلى مواكبة التقدم العلمي فقد أورد الكاتب ان المجال السياسي أيضا شهد استخداماً أمثل للإنترنت فيما يعرف بالحكومة الإلكترونية وذلك بتقديم الخدمات للمواطنين عن طريق هذه التقنية الجديدة الأقل كلفة وجهدا، ومن قبيل تلك الخدمات البريد الإلكتروني، الحملات الإلكترونية، المشاركة في الحياة العامة، الدعاية السياسية، المعارضة السياسية.
أما في المجال التجاري فيذكر المؤلف أن تحرر التجارة تزامن مع وجود النوافذ المفتوحة على العالم من خلال الخدمات التجارية الإلكترونية، وأن بعض الدول خطت خطوات جبارة في مجالها الاقتصادي عندما ركنت الى تصدير سلع بتكنولوجيا عالية كالحاسبات الآلية جنبتها الأزمة الاقتصادية التي لحقت باقتصاديات دول أخرى نتيجة اعتماد هذه الأخيرة على إنتاج سلعة استهلاكية تتطلب عمالة كثيرة.
ويضع المؤلف ثلاثة محاور رئيسية كإطار لاستخدامات الإنترنت بالمجال التجاري وهي: من المؤسسة التجارية الى المستهلكين، وبين المؤسسات التجارية، وبين المؤسسات التجارية والحكومة.
ثم عدد بعض مجالات التجارة الإلكترونية ومنها البريد الإلكتروني بين الشركات وفروعها، الدعاية، الإعلان، التسويق، البيع والشراء، تحويل الأموال، التوزيع والنشر، والسياحة، وكل هذه المعاملات التجارية تتم بواسطة الحواسيب المتقدمة نتيجة شبكة الإنترنت، ويذكر أن هذه المعاملات في زيادة مستمرة.
وفي عرض المؤلف لدور الإنترنت في المجالات الأخرى ذكر الدور المتنامي لهذه الشبكة في مجال الاتصالات الهاتفية والتطور الهائل الذي لازم هذا المجال وجعل تكاليفه أقل منها في الطرق التقليدية، كما استعرض دور الإنترنت في المجال التعليمي كحافز مغير في المجتمع، واتجاه معظم دول العالم لوضع البرامج التعليمية الكفيلة بإدخال مجتمعاتها في هذه النهضة العلمية القائمة على عصر تقني متقدم، ويدعو الكاتب ان يكون هذا النهج هو نهج التعليم لدينا لكونه أهم أدوات التغيير في المجتمع المعلوماتي، نظراً لتطور أساليب الإنترنت وتفاعلها السريع مع المتغيرات.
وبعد ذلك البحث الجاد والدقيق في نشأة وتطور الإنترنت المتضمن استخدامات وتأثيرات الإنترنت، واستعراض وضع هذه التقنية في الوطن العربي، يأتي المؤلف على ثقافة الإنترنت بالمملكة ببدايتها رسميا عام 1999م ويعزو هذا التأخير الى جدلية قامت حول سلبيات الإنترنت، حتى صدرت الموافقة الكريمة بإدخال خدمة نقل المعلومات عبر الإنترنت بعد تنظيم البنية التحتية والضوابط الخاصة بهذه الخدمة التي توجد بلا خيار أمام المجتمع، حيث وجدت بإيجابيات كثيرة، وسلبيات توجب معالجتها ونشر الوعي حولها وقد تعددت الاستخدامات بالمملكة لهذه الخدمة بتعدد المستويات، فالمستوى الحكومي يخطو إلى ما يُعرف بالحكومة الإلكترونية، وفي الاستخدام التجاري وجدت التجارة الإلكترونية، والاستخدام الخاص بواسطة الأجهزة الخاصة.
ويذكر المؤلف ان جميع الخطط الوطنية سعت الى رفع مستوى التعليم ومن قبيل ذلك استخدام التقنية الحديثة في التعليم ومراكز البحث والمكتبات والمجال الطبي، وكذلك في المجال الإعلامي من إذاعة وتلفزيون وصحف، وعن الاستخدام التجاري ذكر الكاتب ان طبيعة العمل تتناسب ونمو تقنيات المعلومات والإنترنت، والجهات المعنية تسعى حثيثا لتطوير التجارة الإلكترونية وتناميها داخل المجتمع وذلك بتوفير الأمن والخصوصية اللذين سيكفلان إقبالاً شديداً على البيع والشراء كما هو الحال في أسواق الأسهم حالياً.
وينتهي هذا الكتاب بدراسة ميدانية لاستخدام الإنترنت اعتمدت على قياس توجهات الرأي العام لكونها أهم المؤشرات الأساسية عند صناعة القرار وذلك للتعرف على انطباعات المواطنين حول هذه التقنية.
بحق فإن هذا الكتاب جدير بالاهتمام فقد أدركت فيه رصداً دقيقاً ورؤية موفقة لمستقبل الإنترنت في المملكة العربية السعودية والعالم العربي بشكل عام، فهو يتخذ من الدراسات المنهجية والبحثية قاعدة لطرحه لكونه يتناول مجالاً مهما يمس المجتمع بشكل مباشر، لذلك أدرك المؤلف أهمية موضوعه ولم يتوقف عند سرد حكاية الإنترنت كظاهرة عالمية بل أورد رؤاه الجادة لمعالجة المعضلات الراهنة في الدول النامية أملا في تقدم وتطور تقني يواكب عصر الإنترنت ويحاكي استمراره المطرد.
17 / 4 / 2004م         عدد 11524

ضريبة احتكار سوق الاتصالات يدفعها المواطن 2-2

د. محمد بن عبدالعزيز الصالح
يأتي قطاع الاتصالات في طليعة الخدمات التي طرحتها الدولة للتخصيص وعندما حرصت الدولة منذ البداية على قصر تقديم خدمات الاتصالات على شركة الاتصالات، فإن الدولة لم تكن ترمي من جراء ذلك لأن تجعل تقديم تلك الخدمات حكراً على هذه الشركة، وإنما قصدت من ذلك التأكد من اكتمال كافة الجوانب التنظيمية والفنية وكذلك اكتمال البنية التحتية لهذا القطاع قبل أن يتم فتح السوق لمنافسة الشركات الأخرى. إلا أن الملاحظ أن بعض القائمين على شركة الاتصالات لم يدركوا ذلك التوجه للدولة، ولذا نجد أن الشركة منذ قيامها لا تتردد في ارتكاب مختلف الممارسات الاحتكارية التي تؤدي لزيادة ربحية الشركة بغض النظر عن مدى تضرر المواطنين منها.
وفي زاوية الأسبوع الماضي تطرقت الى توجه الدولة الرامي لزيادة أرقام الجوال لتصبح عشرة أرقام بدلاً من تسعة وذلك بإضافة الرقم صفر لتصبح بداية رقم الجوال (0505) بدلاً من (055) مما أدى الى الإضرار بأصحاب الارقام المميزة الذين دفعوا للشركة آلاف الريالات مع تأكيد المسؤولين بالشركة على عدم تعويض أصحاب تلك الأرقام المميزة في تصرف غير مبرر لا يصدر لو كان هناك شركات منافسة أخرى، وفي زاوية اليوم نستعرض عدداً آخر من تلك الممارسات غير المنطقية لشركة الاتصالات نذكر منها:
- قيام الشركة بمصادرة هواتف السيارات التي كلفت كل مشترك أكثر من خمسين ألف ريال دون دفع التعويض المناسب لهم.
- قيام الشركة بتسويق الأرقام المميزة بعشرات الألوف من الريالات، وعلى الرغم من ذلك لا يكون للمشترك الحق في التصرف في رقمه متى أراد بيعه حيث يتوجب أن تعود ملكيته للشركة!!
- قيام الشركة بفرض رسوم شهرية مبالغ فيها على تقديم خدمات الهواتف الثابتة والنقالة تصل الى تسعين ريالا.!! علماً بأن الشركة تقوم بفرض هذا الرسم على المدة الزمنية اللاحقة للرسم وليس السابقة، مما يعني أن الشركة تلزم المشترك بدفع رسوم لم يستخدمها بعد!
- قيام الشركة بفرض رسم مبالغ فيه للرسالة الهاتفية (30 هللة) حيث إن تلك الخدمة لا تكلف الشركة سوى جزء يسير جداً من حجم الرسم المفروض، وعلى الرغم من ذلك استخسرت الشركة على المواطن تقديم فاتورة مفصلة له وفرضت عليه رسماً إجمالياً دون أحقيته في الاطلاع على تفاصيل الخدمة التي سيدفع ثمنها.
في ظني أن شركة الاتصالات ما كانت لتقوم بتلك الممارسات التي أضرت بجيوب المواطنين لو كان هناك منافسون آخرون في السوق، وفي ظني أن تلك الارباح الهائلة التي تحققها الشركة ويعلن عنها مسئولوها مع نهاية كل ربع مالي لم تتحقق بسبب تميز السياسات التسويقية للشركة بقدر ما أن حكر السوق السعودي على الشركة هو ما أسهم بفاعلية في تحقيق ذلك.

10 / 4 / 2004م               عدد 11517